حسن الأمين

57

مستدركات أعيان الشيعة

« شاه رخ شاه » في العذاب حتى يسلم إليه جواهر « نادر شاه » . وبدأ تعذيبه بان كانوا ينتظرونه حتى يغفو . فإذا غفا أيقظوه . يفعلون به ذلك كلما غفا . وألح به السهاد حتى صار النوم يغلب عليه فلا يستيقظ إذا أيقظوه . فجعلوا يوقظونه بصب الماء البارد عليه إذا غفا . ثم صار الماء البارد لا يوقظه أيضا فجعلوا يخزونه بالمناخس إذا غفا . ولكن هذا العجوز الأعمى كان يتحمل كل هذا العذاب ولا يقر بالجواهر فأخبر أصحاب العذاب الخصي القاجاري بأنه مصر على الإنكار صابر على العذاب . فأمر « آقا محمد خان » بصب الرصاص المصهور على بدنه . فجعلوا يصهرون الرصاص ويصبونه على مواضع من بدنه فيصرخ ويستغيث ولكنه يصر على الإنكار . فأمر « آقا محمد خان » بان يحضروا عجينة كبيرة ويضعوها على رأس « شاه رخ شاه » ويقعروها حتى تصبح على شكل إناء ، ثم يصبوا فيها الرصاص المصهور . ففعلوا . فكان عذابا لم يستطع « شاه رخ شاه » عليه صبرا . فصاح : كفوا عني وسأخبركم أين هي جواهر نادر ! كانت الجواهر مدفونة في سرداب في القلعة فدلهم عليها ، ولكن « آقا محمد خان » كان يعتقد بان هذه بعض الجواهر لا كلها . ولم يكن ممكنا إيقاع العذاب مرة أخرى ب « شاه رخ شاه » وإلا مات ، إذ أصبح عاجزا عن تحمل العذاب . وكان « آقا محمد خان » يحتمل أن يكون قسم من هذه الجواهر عند « نادر ميرزا » ابن « شاه رخ شاه » . ولكن هذا قد هاجر مع نسائه وأبنائه إلى « هرات » فهو لا يستطيع اعتقاله . ثم أمر بمداواة « شاه رخ شاه » . واستمرت مداواته مدة شهرين حتى شفيت جراحه . ولكن الجرح الذي في رأسه لم يبرأ برءا كاملا ، وظل ينز بالصديد والقيح طول حياته . وعزم « آقا محمد خان » على إخراج جميع أعقاب « نادر شاه » من خراسان إلى طهران لئلا تحدث أحدا منهم نفسه بالخروج عليه . فأمر « شاه رخ شاه » بان يبعث إلى ابنه « نادر ميرزا » المقيم في « هرات » برسالة يستدعيه إلى خراسان . وأن يقول له فيها إنك إن لم تحضر فانا مقتول . فقال « شاه رخ شاه » : أكتب إليه ولكني أعلم أنه لن يطيعني . فقال « آقا محمد خان » إن لم يحضر سقت إليه جيشا إلى « هرات » لاخضاعه . ففعل ما أمره به . ولكن « نادر ميرزا » أجاب باني لا أرى ضرورة لحضوري إلى مشهد وأنا هنا في راحة . عندئذ سير إليه « آقا محمد خان قاجار » جيشا إلى « هرات » ففر منها إلى « كابل » . فأرسل « آقا محمد خان » إلى قائد جيشه هذا يأمره بتعقب « نادر ميرزا » إلى « كابل » ولكنه كان أمرا يستحيل إنفاذه بسبب فقدان العلوفة والمئونة ووعورة الطريق وحلول برد الشتاء ومقاومة سكان شجعان أشداء . فاضطر « آقا محمد خان » إلى استدعاء جيشه من « هرات » وصرف النظر عن اعتقال « نادر ميرزا أفشار » . وهكذا سلم « نادر ميرزا » من شر « آقا محمد خان » . وبعد سفر هذا من خراسان عاد « نادر ميرزا » إليها وملك في مكان أبيه . ولم يمهل العمر « آقا محمد خان » فيعاود [ عزو ] غزو خراسان مرة أخرى ويقضي على « نادر ميرزا » كما قضى على أبيه قبله . العودة إلى آذربيجان وأراد « آقا محمد خان » ، وهو في خراسان ، قمع بعض الخارجين عليه . ومنهم الزعيم الأزبكي « مراد بك خان » فقد كان قد هاجم بجماعته من الأزابكة مدينة « مرو » فاحتلها وأقام فيها ونادى بنفسه ملكا باسم « الشاه مراد بك خان » . وجهز « آقا محمد خان » جيشا من عشرة آلاف جندي بقيادة « محمد ولي خان قاجار » ليبعث به إلى « مرو » لقمع الخارج . وفي ذلك الحين وصله نبا بان الجيش الروسي احتل « دربند » ثم دخل « دشت مغان » في آذربيجان . وكان ذلك في عهد الإمبراطورة « كاترين الثانية » . وكان في جملة الدوافع إلى هذا الغزو الانتقام لأهالي « تفليس » لما أوقعه بهم « آقا محمد خان » . عندئذ أقام « آقا محمد خان » الجيش الذي هياه لغزو « مرو » في خراسان وأمره بمقاومة « مراد بك جان » الأزبكي إذا حاول الإغارة على تلك النواحي . وتهيأ لمغادرة خراسان . وقبل خروجه منها أمر بحمل « شاه رخ شاه » وكل أبناء الأسرة النادرية إلى « أسترآباد » ، وقيل إلى « مازندران » ، مخفورين . ومع الخفراء جلاد أمره بقتل « شاه رخ شاه » خنقا عند وصولهم إلى قصبة تسمى « مزينان » ، وأن يذيعوا بأنه مات موتا طبيعيا بسبب الشيخوخة والمرض . فلما وصلوا إلى تلك القصبة عمد الجلاد إلى يدي ذلك الشيخ الأعمى ورجليه فقيدهما . ودس في فمه خرقة جمعها على شكل كرة ودفع بها بوتد إلى حلقه ، وأخذ يضرب على طرف الوتد الخارج بمطرقة حتى دخلت الخرقة في قصبة الرئة واختنق ذلك المنكود الحظ « شاه رخ شاه » . ثم أشاعوا بين الناس أنه مات موتا طبيعيا . ومؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين زعموا أيضا أن موته طبيعي . وعلل المؤرخون الأوروبيون قتل « آقا محمد خان » ل « شاه رخ شاه » بسببين أحدهما أنه حفيد « نادر شاه » والآخر أنه أبو « نادر ميرزا » . فاما « نادر شاه » فهو الذي حكم بقتل « فتح علي قاجار » جد « آقا محمد خان قاجار » عند محلة « خواجة ربيع » في ظاهر مشهد . وأما « نادر ميرزا » فيرى « آقا محمد خان » أنه امتنع عن الحضور من « هرات » إلى مشهد وتسليم ما لديه من جواهر جده بإشارة من أبيه « شاه رخ شاه » ولو أراد أبوه إحضاره لاطاعه . وأقدم أيضا قبل مغادرته خراسان على أمر آخر هو إعلان النفير العام بواسطة رسل سيرهم إلى الرؤساء والأمراء في مختلف نواحي إيران لتجهيز جيش لمحاربة الروس . ثم عاد « آقا محمد خان » إلى طهران ، وانهمك في تجهيز جيشه العظيم . وأرسل فرقة من خمسمائة وألف جندي تقيم على طريق الجيش إلى آذربيجان مراكز للتموين والعلوفة ، وتستقصي أخبار الجيش لروس الغازي . وسارت هذه الفرقة في مهمتها ، وبلغت إلى آذربيجان حتى ساحل نهر « أرس » ، ولكنها لم تتبين أثرا من الجيش الروسي . ثم تحقق لقائد الفرقة أن الروس قد أخلوا جميع النواحي التي احتلوها ورحلوا عن أرض إيران . فبادر إلى أخبار « آقا محمد خان » بهذه البشارة . ولم يستطع أحد من الإيرانيين أن يتبين السبب في إقدام روسيا على الجلاء عن الأرض الإيرانية يومئذ . ولكن الأوروبيين يعرفون هذا السبب . وهو أن « كاترين الثانية » أمبراطورة روسيا التي أمرت بسوق جيشها إلى إيران